أحمد مصطفى المراغي

5

تفسير المراغي

وخالفت من تقدّمك من الأنبياء ، فرد اللّه سبحانه شبهتهم ، بأن أول بيت بنى للعبادة هو البيت الحرام بناه إبراهيم وولده إسماعيل للعبادة . الإيضاح أجاب اللّه سبحانه عن أولى الشبهتين بقوله : ( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) أي إن كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل ، ولإبراهيم من قبله ، ثم حرم عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبا كما يدل على ذلك قوله « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ » الآية . والمراد بإسرائيل الشعب كله كما هو شائع في الاستعمال عندهم لا يعقوب فحسب ، كما أن المراد بتحريم الشعب ذلك على نفسه أنه اجترح من السيئات ، وارتكب من الموبقات ما كان سببا في هذا التحريم كما ترشد إلى ذلك الآية التي أسلفناها . وخلاصة هذا الجواب - أن الأصل في الأطعمة الحل ، وما كان تحريم ما حرم على إسرائيل إلا تأديبا لهم على جرائم ومخالفات وقعت منهم ، وكانت سببا فيما نالهم من التحريم لها ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته لم يجترحوا هذه السيئات فلا تحرم عليهم هذه الطيبات . ومعنى قوله : من قبل أن تنزل التوراة ، أنه قبل نزول التوراة كان حلّا لبنى إسرائيل كل أنواع المطعومات ؛ أما بعد نزولها ، فقد حرم عليهم أنواع كثيرة بسبب الذنوب التي اقترفوها ، وقد بينتها التوراة وبينت أسباب التحريم وعلله . ( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في دعواكم ، لا تخافون أن تكذبكم نصوصها ، فالحكم بيننا وبينكم كتابكم الناطق بصحة ما يقول القرآن ، فلو جئتم به لكان مؤيدا ما نقول من أن تحريم ما حرم ما كان إلا للتأديب والزجر . وقد جاء في سفر التثنية : قال موسى حين أخذ عليكم العهد بحفظ الشريعة ( إنكم شعب